(احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدها تجاهك)

الثقة بالله ..
نحتاجها جميعا رجالا ونساء؛

فهذه أم موسى – عليه السلام- كما قص الله علينا قصتها في سورة القصص؛

هذه المرأة المباركة عاشت في زمن جبار عنيد، وطاغوت فريد؛ لن نجد له في التاريخ مثيلا؛ هذا الطاغوت ادعى الربوبية: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات(24)]، ونفي الأولوهية عما سواه: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص(38)].
طاغوت استخف قومه فأطاعوه، وسام شعبه سوء العذاب؛ معتمدا على خرافات وأحلام ما أنزل الله بها من سلطان، فقد رأى في منامه رؤيا أقلقته وأفزعته، فدعا المنجِّمين لتأويلها، فأولها: بأنه سيولد مولود في بني إسرائيل يسلبه مُلكه، ويغلبه على سلطانه، ويبدل دينه!!.
فما كان من هذا الجبار إلا أن أصدر مرسوما جائرا يقضي بقتل كل طفل ذكر سيولد في البلد؛ فقتل جنوده ما شاء الله أن يقتلوا؛ قال ابن كثير -رحمه الله-: \”ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون، ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عاما وتركهم عاما، فولد هارون -عليه السلام- في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك، وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار -السكاكين- المرهفة فقتلوه ومضوا -قبحهم الله تعالى-.

فلما حملت أم موسى به -عليه السلام- لم يظهر عليها مخايل-أي علامات.- الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدا، وأحبته حبا زائدا، وكان موسى -عليه السلام- لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعا، قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}[طـه(39)] فلما ضاقت به ذرعا، ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها؛ كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص(7)]، وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتا، ومهدت فيه مهدا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل عندها. فلما كانت ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء، واحتمله حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها، فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها، وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}… معناه أن الله -تعالى – قيضهم لالتقاطه ليجعله عدوا لهم وحزنا؛ فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[تفسير القرآن العظيم(6/199-200) ط: دار الكتب العلمية][القصص(8)].
ثم إن هذا الطاغية همَّ بقتله، فقالت له زوجته آسية بنت مزاحم محببة له: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} \”فقال فرعون: \”أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان كذلك، وهداها الله بسببه، وأهلكه الله على يديه\” أي أهلك الله فرعون على يد موسى -عليه السلام-.
ثم قالت مبينة لها العلة من ذلك: {عَسَى أَن يَنفَعَنَا} \”وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه\”. وقوله: {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} \”أي أرادت أن تتخذه ولدا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص(9)]أي لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة\”.

ولما ألقته أمه في البحر في المرة الأخيرة ذهب عنها بعيدا؛ فخافت عليه خوفا شديدا حتى أن قلبها أصبح فارغا من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى -عليه السلام- كما أخبرنا بذلك القرآن، فقال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} \”أي إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله تعالى: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها، فقالت لها: {قُصِّيهِ} أي اتبعي أثره، وخذي خبره، وتطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ}.. وقال قتادة: \”جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده\”، وذلك أنه لما استقر موسى -عليه السلام- بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثديا، وأبى أن يقبل شيئا من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}\”[القصص(10)(11)].
ثم قال الله -تعالى-: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} \”أي تحريما قدريا -أي في القدر الكوني، وليس تحريما شرعيا-، وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه؛ ولأن الله – سبحانه وتعالى – جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}[القصص(12)]، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: \”فلما قالت ذلك، أخذوها وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له؟ وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه؛ رغبتهم في سرور الملك، ورجاء منفعته\”، فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، فذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت. فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا، في عز وجاه ورزق دار… ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة أو نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجا وبعد كل ضيق مخرجا، ولهذا قال تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} أي به {وَلَا تَحْزَنَ} أي عليه {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص(13)] أي فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين، فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعا وشرعا\”[ينظر: تفسير القرآن العظيم(6/200- 202) لابن كثير].
وقد جاءت هذه القصة مختصرة في سورة طه في قوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى* * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي* إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ}[طـه(40)(38)(39)].
فتأمل في هذه الثقة العظيمة من أم موسى -عليه السلام- في وعد الله الله؛ قال ابن القيم رحمه الله: \”فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله -تعالى-، إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء، تتلاعب به أمواجه، وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف\”[مدارج السالكين(2/142)].
وقد حقق الله لها ما وعدها به، ورد لها فلذة كبدها، وحفظه من كل سوء ومكروه؛ فكن واثقا بوعد الله كوثوق أم موسى -عليه السلام-.
وهكذا عاش نبي الله موسى -عليه السلام- حياته كلها واثقا بالله مطمئنا به؛ ففي أحداث احتسابه على فرعون وقومه، ودعوته لهم، فر موسى-عليه السلام- ومن معه المؤمنين فتبعه فرعون ومن معه من الكافرين، قال تعالى: {فأتبعوهم مشرقين} أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها: {فلما تراءا الجمعان} أي رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده، فلهذا قالوا: {إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين} أي لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد … وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون أو مؤمن آل فرعون، يقول لموسى عليه السلام: يا نبي الله هاهنا أمرك ربك أن تسير؟ فيقول: نعم، فاقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى -عليه السلام- أن يضرب بعصاه البحر، فضربه وقال: انفلق بإذن الله\”[ينظر تفسير القرآن العظيم(6/130)] وبذلك نجى الله موسى ومن معه من المؤمنين، وأهلك فرعون ومن معه من الجاحدين.
كن واثقا بأن الله سيحفظك ويرعاك ما دمت حافظا لحدوده؛ ممتثلا لأوامره، مجتنبا لنواهيه؛ فهاهو عليه الصلاة والسلام يوصي ابن عباس-رضي الله عنهما- بوصية عامة له وللأمة جميعا، فيقول له: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدها تجاهك)[رواه الترمذي(2516)، وقال: \”حديث حسن صحيح\”، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح(5302)].

Advertisements

الغروب العربي: الانهيار القادم لممالك الخليج

الكاتب: 

كريستوفر ديفيدسون
10/17/2013 – 14:10
كانت واحدة من استراتيجيات البقاء الأكثر وضوحا بالنسبة للملكيات في الخليج: تعزيز العلاقات الأمنية مع القوى الغربية،مثلا عن طريق السماح للولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا لبناء قواعد ضخمة على ترابها وكذا الإنفاق ببذخ على الأسلحة الغربية.

منذ تكوينها الحديث في منتصف القرن العشرين، خضعت المملكة العربية السعودية وخمس دول خليجية صغيرة لحكم أنظمة استبدادية. ومع ذلك، أثبت حكامها مرونة ملحوظة في مواجهة الصراعات الدموية على عتبات بيوتهم، وكذا النمو السريع للسكان في الداخل وتحديث قواتها بمعونة الخارج.

 وكانت واحدة من استراتيجيات البقاء الأكثر وضوحا بالنسبة للملكيات، كما يرى الكاتب: تعزيز العلاقات الأمنية مع القوى الغربية، في جزء منه عن طريق السماح للولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا لبناء قواعد ضخمة على ترابها وكذا الإنفاق ببذخ على الأسلحة الغربية.

في المقابل، هذه العسكرة المكلفة ساعدت جيلا جديدا من الحكام، الذين أظهروا ميلا، أكثر من أي وقت مضى، لاستعداء إيران وحتى دول الخليج الأخرى. في بعض الحالات، نمت المظالم بينهم بشكل كبير بما يكفي للتسبب في أزمات دبلوماسية والتحريض على العنف أو الأوامر الملكية لدولة للتدخل في السياسة الداخلية لأخرى.

وبالتالي، كما يرى الكاتب، فإنه سيكون من الخطأ الاعتقاد أن دول الخليج لا تُقهر، بطريقة أو بأخرى. ورغم التهديدات الداخلية القائمة، فإن هذه الأنظمة تواجه أيضا تصاعد تهديدات خارجية من الحكومات الغربية وإيران وبعضها البعض. وهذا ما يفاقم صراعاتها منذ فترة طويلة والتناقضات المتأصلة.

لقد كان وجود قواعد عسكرية غربية كبيرة في شبه الجزيرة العربية دائما مشكلة بالنسبة لممالك وإمارات الخليج. فبالنسبة لمنتقديهم، فإن استضافة جيوش غير عربية وغير مسلمة هو إهانة للإسلام والسيادة الوطنية. ومن المرجح أن يزيد انتشارها من الانتقادات، وربما تكون بمثابة بؤرة أخرى حتى الآن لحركات المعارضة في المنطقة.

ومن بين أكبر المنشآت الغربية في الخليج: قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تدين بوجودها إلى الحاكم السابق للبلاد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. في عام 1999، أبلغ آل ثاني الولايات المتحدة أنه يود أن يرى 10 آلاف من الجنود الأمريكيين متمركزين بشكل دائم في الإمارة، وبعدها بسنوات قليلة، بدأت الولايات المتحدة تحويل الموظفين هناك من المملكة العربية السعودية.

اليوم، تحتضن العديد عدة آلاف من الجنود الأمريكيين، وتحولت أيضا إلى مقر متقدم للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والقوات الجوية الأمريكية وقاعدة لوكالة المخابرات المركزية ومجموعة من فرق القوات الخاصة الأمريكية.

بينما تستضيف الجارة البحرين مقر القيادة المركزية للقوات البحرية والأسطول الخامس الأميركي برمته، والذي يتضمن حوالي 6 آلاف من الموظفين الأمريكيين.

ورغم أن الولايات المتحدة قلصت قواتها مؤخرا في الكويت، لكن لا تزال تحتفظ بأربع قواعد مشاة، بما في ذلك “كامب باتريوت”، الذي يعتقد أنها تحتضن حوالي 3 آلاف جندي أمريكي وقاعدتين جويتين.

وتخطط الولايات المتحدة لتوسيع الوجود العسكري الإقليمي في المستقبل القريب. كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مؤخرا، فإنه سيتم إرسال أحدث الأنظمة الأمريكية المضادة للصواريخ إلى أربع دول خليجية على الأقل. وهذه إصدارات جديدة من البطاريات المضادة للصواريخ “باتريوت” أرسلتها الولايات المتحدة إلى المنطقة وتهدف إلى تهدئة مخاوف حكام الخليج “من الهجمات الصاروخية الإيرانية”.

بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر تعقيدا من استضافة هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية الأجنبية، الإنفاق في دول الخليج على نحو مطرد على الأسلحة الغربية. ورغم أن الكثير من المعدات غير مناسبة لتعزيز القدرات الدفاعية أو لا لزوم لها في عمليات حفظ السلام، إلا أن قادة الخليج يعتبرونها تجارة لازمة لحمايتهم.

وبالنظر إلى نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي، فإن مشتريات دول الخليج جعلتها أكبر المشترين للأسلحة في العالم. وحتى الدول “الفقيرة” في الخليج، والتي تصارع انخفاض الموارد والضغوط الاجتماعية والاقتصادية الخطرة، وقضتنفق على الأسلحة بما يفوق طاقتها.

ومن كل مشتريات الملكيات، فقد استحوذت السعودية والإمارات على أكبر قدر من الإنفاق. في عام 2009 وحده، اشترت الإمارات ما يقرب من 8 مليارات دولار معدات عسكرية أمريكية، مما يجعلها أكبر زبائن الأسلحة الأمريكية عالميا في ذلك العام.

ومن جانبها، اشترت السعودية ما يقرب من 3.3 مليار دولار من الأجهزة. في ديسمبر 2011، أعلنت الولايات المتحدة أنها انتهت من بيع 30 مليار دولار من طائرات F -15 المقاتلة (بوينج الصنع) للقوات الجوية الملكية السعودية. كما دخلت الإمارات في شراكة مع شركة أمريكية متخصصة في أنظمة الطيران لجلب طائرات من دون طيار، وهذا المشروع يجعل دولة الإمارات العربية المتحدة أول مشتر أجنبي لتكنولوجيا الطائرة الأمريكية من دون طيار.

ويرى الكاتب أنه من المرجح أن يواصل حكام الخليج زيادة الإنفاق على الأسلحة والمعدات العسكرية، سواء كان ذلك على الدبابات والطائرات الحربية أم السفن البحرية.

وقال الكاتب إن ممالك الخليج تواجه أيضا ضغطا للتعامل مع إيران، وبعضهم يرى اتخاذ المواقف ضد طهران آلية ملائمة لاحتواء المعارضة الداخلية وتشتيت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة والتلاعب بالتوترات الطائفية.

منذ بداية الربيع العربي، كما ذكر الكاتب، سلط ملوك الخليج الضوء على عضوية الشيعة في حركات المعارضة، وهو “تكتيك” سمح لهم بنزع الشرعية عن النقاد -زورا- بالادعاء أنهم عملاء لإيران.

حتى الآن، تمتعت هذه الإستراتيجية ببعض النجاح المحدود، وسارع بعض السكان السنة في الخليج لاتهام الناشطين الشيعة بأنهم خونة.

ولا تزال العديد من القوى الغربية تقدم الدعم للأنظمة الملكية على أساس أن البديل سيكون على غرار إيران: حكومات ثيوقراطية وثورية ومعادية للغرب.

ودفعتهم المخاوف بشأن إيران إلى مزيد من إذابة العلاقات بين بعض دول الخليج وإسرائيل، وتوجد الآن قناة اتصال مفتوحة بين قطر وأجهزة الأمن الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن مخاطر مثل هذه المشاعر المسعورة المناهضة لإيران خطرة وربما وجودية.

في أواخر عام 2010، استضافت قطر وفدا كبيرا من رجال الشرطة الإسرائيلية، من بينهم رئيس التحقيقات في الشرطة الإسرائيلية وفرع المخابرات، ظاهريا كجزء من اجتماع الانتربول. وحتى الآن، ليس هناك أدلة ثابتة كثيرة على العلاقات الأمنية المتنامية بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، أو على الأقل لم يكن هناك قبول واضح منهم (كما كان الحال مع البحرين وقطر).

ومع ذلك، فقد جرى تعميم الإشاعات عن التعاون السعودي الإسرائيلي بدافع من وجود العدو المشترك في الدوائر الدبلوماسية لسنوات (وفقا لمقولة: عدو عدوي “إيران” صديقي “إسرائيل”).

ويقول الكاتب إن سياسات الممالك الجديدة تجاه إسرائيل تحمل خطورة خاصة بالنظر إلى الحقائق السياسية المحلية، إذ إن سكان الخليج، بالنسبة للجزء الأكبر منهم، معادون لإسرائيل ومؤيدون للفلسطينيين، ولا يزال تحرير فلسطين الفكرة المثالية المشتركة بين الشباب في المنطقة، وهناك أيضا مجتمعات كبيرة من الفلسطينيين في كل الملكيات.

ثم إن الضغوط التي تواجه دول الخليج تجعل المنطقة متوترة جدا، ومن بينها الخلافات مع الولايات المتحدة، معضلة إيران والتقارب مع إسرائيل، تهدد بانزلاق البلاد.

كما إن المشاجرات بين دول الخليج قد نمت في بعض الأحيان بشكل مرير، بحيث أدت إلى محاولات من قبل نظام ملكي معين تغيير مسار التعاقب الأسري في بلد آخر.

ففي أعقاب وفاة حاكم أو نزاع داخلي صغير في ملكية واحدة، فإنه من الشائع الآن بين الممالك والإمارات التدخل، سواء من خلال دعم سري لمرشحها المفضل، أو رعاية الانقلاب في الحالات الأكثر تطرفا. وكثيرا ما يُغري فراغ السلطة الناتج عن الصراعات قوى أجنبية بالتدخل كذلك.

في النهاية، فإن كل الأنظمة الملكية قد تعاني من هذه المخاطر والتدخلات، ولا يمكنها الصمود أمام الضغوط. 

حكومة الانقلاب تستعين بشركة لوبي صهيونية لتحسين صورتها

الحكومة المصرية الحالية تتعاقد مع مجموعة ضغط أمريكية لتحسين صورة السلطة الانقلابية لدى السياسيين الأمريكيين ولإقناع صناع القرار الأمريكي بالرجوع عن توجههم نحو وقف المساعدات الأمريكية لمصر.

في محاولة لصد إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن توجهه نحو تجميد جزء من المساعدات الأمريكية لمصر، قامت الحكومة المصرية الحالية بالتعاقد مع مجموعة ضغط أمريكية لتحسين صورة السلطة الانقلابية لدى السياسيين الأمريكيين ولإقناع صناع القرار الأمريكي بالرجوع عن توجههم نحو وقف المساعدات الأمريكية لمصر.

صحيفة ذي هيل الأمريكية، نشرت وثائق رسمية للعقد الذي أبرمته الحكومة المصرية مع مجموعة جلوفر بارك (GPG) للاستفادة من خدماتها في مجالات العلاقات والدبلوماسية العامة وللحصول على استشارات في الاتصالات الاستراتيجية بالإضافة إلى خدمات أخرى لتطوير وبناء العلاقات الحكومية ما بين الحكومة الأمريكية والحكومة المصرية الحالية التي يترأسها حازم الببلاوي.

كما ستقوم مجموعة الضغط، التي تقدم خدماتها كشركة خدماتية، بالقيام بالاتصالات اللازمة للتسويق للحكومة المصرية الحالية ولخارطة الطريق التي فرضها الجنرال عبد الفتاح السيسي على أنها عملية انتقال ديمقراطي ستنتهي إلى تنصيب مؤسسات ديمقراطية منتخبة من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة وشفافة ستشمل كل أطياف المشهد السياسي المصري.

وخطورة الخبر لا تتوقف عند حجم المبالغ التي تدفعها السلطة الانقلابية في مصر لهذه الشركة وربما لغيرها لأجل الحصول على هذه الخدمات ولأجل تلميع صورتها لدى صناع القرار في أمريكا، وإنما تكمن خطورة هذا الخبر أيضا في كون المدير العام لشركة GPG هو عسكري إسرائيلي سابق يدعى آريك بنزفي.

كما أن أحد أهم المدراء التنفيذيين في GPG شغل في السابق منصب نائب المدير السياسي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة بمنظمة AIPAC مجموعة الضغط الإسرائيلية الأقوى في أمريكا والتي لابد لأي رئيس أمريكي أن يمر منها وأن ينال رضاها قبل أن يترشح للانتخابات الرئاسية. وتواجه الحكومة المصرية مأزقا دبلوماسيا منذ تعيينها من قبل الجنرال عبد الفتاح السيسي، وتكاد تصل إلى حالة العزلة خاصة بعد تكرر المجازر الدموية التي راح ضحيتها مئات المدنيين، وازداد موقفها تأزما في الفترة الأخيرة بعد إعلان الحكومة الأمريكية عن تجميدها لشحنة طائرات حربية من نوع اف-16 وآباتشي بالإضافة إلى مساعدات مالية قيمتها 260 مليون دولار.

حرب إسرائيل الجديدة في أفريقيا

بالإضافة إلى التخوف من الدورين الإيراني والتركي، فإن هناك دافعا آخر لاهتمام إسرائيل بإفريقيا يكمن في محاولة تصحيح صورة حكام تل أبيب التي ارتبط اسمها في أذهان الكثير من الأفارقة،  خاصة المسلمين منهم، باحتلال القدس والمسجد الأقصى، وبسجل دموي حافل وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني

تأتي الزيارة التي يبداها الرئيس النيجيري، غودلاك جوناثان، لإسرائيل، اليوم الأربعاء، والتي تعتبر أول زيارة من نوعها من قبل رئيس أكبر دولة بغرب إفريقيا إلى تل أبيب منذ عقود، لتعكس تعاظم الجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسرائيل في الفترة الأخيرة من أجل كسر حالة الجمود الدبلوماسي مع دول غرب ووسط القارة السمراء.

وفي السنوات الأخيرة، أولت إسرائيل اهتماما كبيرا لتطوير هذه العلاقات، ونتج عن هذا إقامة تمثيل دبلوماسي مع أكثر من 34 دولة إفريقية، حسب مصادر إعلامية إسرائيلية، بعد أن كان اهتمامها في العقود الأخيرة منصبا على دول القرن الإفريقي كأثيوبيا وإريتريا وغيرهما من الدول الإفريقية القريبة من حوض النيل، بهدف تطبيق نظرية “شد الأطراف” علي مصر والدول العربية (أي محاصرتها من الدول الحدودية معها وذات المصالح المؤثرة).  

فإسرائيل باتت تستشعر النفوذ المتعاظم لإيران والصين وتركيا في القارة السمراء، التي تمثل عمقا استراتيجيا لا يستهان به، وسوقا استهلاكية ضخمة، وما قد يكون لهذا النفوذ من تأثير سلبي علي مصالحها، ومصالح حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالإضافة إلى التخوف من الدورين الإيراني والتركي في إفريقيا، فإن هناك دافعا آخر لاهتمام إسرائيل بإفريقيا يكمن في محاولة تصحيح صورة حكام تل أبيب التي ارتبط اسمها في أذهان الكثير من الأفارقة،  خاصة المسلمين منهم، باحتلال القدس والمسجد الأقصى، وبسجل دموي حافل وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني. 

وجسدت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، أفيغدور لبيرمان، في سبتمبر/أيلول 2009، والتي قادته لخمس دول إفريقية هي: إثيوبيا، غانا، أوغندا، كينيا، ونيجيريا، التطلع الإسرائيلي لإحياء تل أبيب صلاتها القديمة بالقارة السمراء، لكونها تأتي بعد سنوات من القطيعة للمسؤولين الرسميين الإسرائيليين الكبار مع القارة السمراء.

فقد بحث ليبرمان في زيارته المذكورة، بحسب الإعلام الإسرائيلي، ملفات محورية كمشاكل التنمية والاقتصاد والأمن بإفريقيا، وإمكانية إيجاد دور إسرائيلي للمساهمة في حل هذه القضايا، وطالب صراحة قادة الدول الذين التقي بهم في زيارته بلعب دور إيجابي لصالح إسرائيل في المنظمات الدولية والإقليمية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الإفريقي.

واختار ليبرمان لحظتها محطة نيجيريا في تلك الزيارة للحديث عن محوري “الاعتدال والتطرف” في الشرق الأوسط، ربما لأمر فرضه كون غالبية سكان نيجيريا من المسلمين.

كما حمل في نفس المحطة، “حركات المقاومة الإسلامية”، وبالتحديد “حماس”، و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتين، و”حزب الله” اللبناني مسؤولية تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، بل شبه ضمنيا هذه الحركات بجماعة بوكو حرام التي تشن هجوما “إرهابيا” ضد الدولة بنيجيريا.

وكان مؤتمر باندونغ (عاصمة مقاطعة جاوة غرب في إندونيسيا) سنة 1955، الذي أذن بميلاد تحالف دولي جديد ضد الإمبريالية (دول عدم الانحياز)، المحفز وراء الاهتمام الإسرائيلي بإفريقيا، كما يرى كثير من المراقبين، ففي هذا المؤتمر تم الإعلان عن دعم واضح للقضية الفلسطينية، حيث طالب بيانه الختامي بمساندة الشعب العربي الفلسطيني ودعم نضاله المشروع وقضيته العادلة حتي ينال حقوقه كاملة غير منقوصة.

ورأت إسرائيل، في باندونغ، نجاحا باهرا للمحور العربي وخلقا لدور جيوسياسي لمصر، التي كانت تتصدر رأس حربة العرب في الصراع العربي الإسرائيلي.

وبحثا عن تحقيق اختراق علي مستوى القارة السمراء يحقق توازنا في التحالفات، قررت إسرائيل دخول إفريقيا لاستقطاب أصدقاء لها، معتبرة أن ذلك قد يساهم في كسر حاجز العزلة المفروض عليها في باندونغ.

وتعتبر رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير، أول مهندسة للعلاقات الإسرائيلية – الإفريقية، فقد حرصت مائير أثناء إدارتها لدفة وزارة الخارجية الإسرائيلية (1956-1966) علي أن تكون بلادها حاضرة في المناسبات الإفريقية وبتمثيل رسمي كبير، وأخذت العلاقات في زمن مائير منحى تصاعديا مضطردا، وفي عهدها تم إنشاء إدارة مكلفة بالتعاون مع إفريقيا علي مستوى وزارة الخارجية سنة 1958، وفي سنة 1960 تم إنشاء قسم خاص للمساعدات الخارجية لإفريقيا علي مستوى نفس الوزارة.

وتعتبر أثيوبيا أول بلد إفريقي يحتضن ممثلية دبلوماسية (قنصلية) لإسرائيل سنة 1957، وواحدة من أقوي وأقدم الدول الإفريقية علاقات بإسرائيل، ويعد اعتبار أثيوبيا أرضا ليهود الفلاشا (اليهود من أصل إثيوبي) سرا لهذه العلاقة الحميمية.

كما استطاعت إسرائيل التسلل إلى نيجيريا، عشية استقلالها (1960)، واستطاعت أن تنجح في إقامة منشآت اقتصادية مهمة وكانت تمتلك شركة ضخمة للإنشاء والتعمير هناك اسمها “نيوجيرسال”، كما كانت إسرائيل داعما سخيا للانفصاليين النيجيريين في حرب ابيافرا الأهلية عام 1967 (حاول خلالها عسكريون الانفصال بالإقليم الشرقي للبلاد قبل أن يتم القضاء على تمردهم عسكريا).

كما تقيم في نيجيريا جالية إسرائيلية ذات نفوذ اقتصادي ضخم.

الشرق يهتز من جديد: محاور قديمة وحسابات جديدة

الجميع يعيد تقييم تحالفاته، لكن من المبكر الحسم بشكل محدد للمحاور الجديدة في المنطقة، فالمتغيرات الاستراتيجية شديدة التدافع، سريعة التعاقب، ولم تستقر الصورة النهائية بعد، وعلى الأرجح أنها لن تستقر لسنوات قادمة، ولكن من المؤكد أن الجميع يبقي خياراته مفتوحة، في انتظار شيء من الثبات.

الأرض تهتز من تحتنا جميعا وعلينا أن نُبقي كل الخيارات مفتوحة” هكذا وصف أحد القيادات السياسية الحالة التي يمر بها الشرق الأوسط هذه الأيام، لحظة انتقال وتحول في التحالفات الإقليمية والمحاور الاستراتيجية، تحولات لم تستكمل شروط تشكلها بعد، ولكنها تمر بلحظة مراجعة وإعادة تقييم .

 شهدت المنطقة ثلاثة أحداث كبيرة في الأسابيع القليلة الماضية: الانقلاب العسكري في مصر على حكومة محمد مرسي، الصفقة الأمريكية الروسية لنزع سلاح سوريا الكيماوي بالإضافة إلى المحادثة الهاتفية بين أوباما والرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني.

قبل سقوط نظام حسني مبارك في مصر، انقسم الشرق الأوسط إلى محورين رئيسيين، الأول سُمي بمحور الاعتدال، ويضم مصر والسعودية والأردن بالإضافة إلى الإمارات والكويت، وكان هذا المحور مقربا من الغرب، داعما للسلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة محمود عباس، ومؤيدا لتسوية سياسية مع إسرائيل، في مقابل محور ثان كان يسمى محور الممانعة ، ويضم إيران وسوريا بالإضافة إلى كل من حماس وحزب الله، وكان هذا المحور على علاقة متوترة مع الغرب، ويعتبر التسوية السياسية مع إسرائيل تنازلا واستسلاما، وعلى مسافة غير بعيدة من هذا المحور ، ومن دون انحياز تام له، وقفت كل من قطر وتركيا، مع احتفاظ بعلاقات مع محور الاعتدال.

سقوط نظام حسني مبارك في يناير ٢٠١١ أخرج مصر من محور الاعتدال مما أدى عمليا إلى اضطرابه، كما أن اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد دفع بحماس السنية خارج محور الممانعة بعد خروج قياداتها من سوريا، ونأى بكل من تركيا وقطر بعيدا عن هذا المحور بعد دعمها المعلن للثورة السورية، وتحول محور الممانعة إلى محور للنفوذ الإيراني الشيعي، ممتد من طهران عبر حكومة المالكي في بغداد ثم نظام الأسد بدمشق وصولا إلى حزب الله اللبناني، وبقي هذا المحور صلبا ومتماسكا بفضل الدعم الإيراني القوي لنظام الأسد.

ومع انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر، ظهر تقارب بين تركيا وقطر ومصر، لم يصل إلى التشكل في محور واحد، ولكنه تقارب قدم الدعم المالي والسياسي للحكومة المصرية، غير أن هذا الثلاثي بقي على علاقة حسنة مع ما تبقى من محور الاعتدال، فكانت الزيارة الأولى لمحمد مرسي إلى السعودية، وشكلت كل من قطر والسعودية وتركيا لجنة لتنسيق الدعم لثوار سوريا، وانضمت الأردن والإمارات إلى هذه اللجنة في وقت لاحق.

الانقلاب الذي أطاح بمرسي في ٣ تموز ٢٠١٣ كان زلزالا استراتيجيا بامتياز، استقبل بالترحاب من قبل ما تبقى من دول محور الاعتدال : السعودية والإمارات والكويت والأردن، وهنأ الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود الرئيس المصري المؤقت بعد وقت وجيز من إعلان الإطاحة بمرسي، وأُعلن عن حزمة مساعدات سعودية إماراتية كويتية تجاوزت ١٢ مليار دولار، بينما كان الملك عبد الله الثاني أول زعيم عربي يزور القاهرة بعد الانقلاب.

وعلى الجهة الأخرى طالبت قطر بإطلاق سراح محمد مرسي وسرعة العودة للمسار الديمقراطي، بينما ندد أردوغان بشدة بالانقلاب، وانطلقت مسيرات شعبية في تركيا مؤيدة لمرسي ومطالبة بعودة الشرعية.

أما إيران، فلم تكن آسفة على الإطاحة بمرسي، لا سيما بعد موقفه الداعم للثورة السورية، لكنها بدأت تشعر بالقلق، لأن مصر ستصطف في محور ينابذها العداء.

الهزات الارتدادية المصاحبة للزلزال الكبير في القاهرة لا تزال مستمرة في المنطقة، فمحور الاعتدال الجديد الذي استعاد مصر بعدما كانت (مختطفة) وفق تعبيره، كانت لديه طموحات واسعه، ولكن طموحه كان أكبر مما يمكن تحقيقه، كما أن حساباته السياسية والاستراتيجية لم تكن دقيقة، فعلى المستوى المصري كانت الدول الداعمة للانقلاب تأمل في حسم سيطرة العسكر في غضون أسابيع قليلة، لكن الساحة المصرية لم تهدأ طوال الشهور الثلاثة الماضية، فالمسيرات والتظاهرات واستمرار حالة منع التجول المسائي بالاضافة الى الحملات العسكرية والأمنية ضد سيناء وعدد من القرى والمدن الرافضة للانقلاب تُددخل البلاد في شلل اقتصادي،  وتجعل فاتورة إنقاذ مصر من الانهيار الاقتصادي هائلة.

 وعلى مستوى المنطقة فقد كانت هناك مزيد من الطموحات ومزيد من الحسابات غير الدقيقة، فقد سعى محور الاعتدال الجديد إلى الإطاحة بنفوذ الحركات الاسلامية في تونس وليبيا، بينما بدأ الجيش المصري بهدم الإنفاق بين غزة وسيناء، رافقته حملة واسعة ضد حماس، على أمل إنهاء سيطرتها على قطاع غزة، وفي نفس الوقت دخل محور الاعتدال الجديد في خصومة مع تركيا، الدولة ذات الثقل الاستراتيجي الواسع في المنطقة، والتي كانت تعتبر بموقفها الداعم للثورة السورية المعادل السني لإيران الشيعية، ولكن الخطأ الأكبر في حسابات محور الاعتدال الجديد كان في تقديره للموقف الروسي والأمريكي من سوريا، فقد كان يأمل هذا المحور في سرعة إنهاء نظام بشار الأسد واستبداله بنظام موال لمحور الاعتدال، مع إقصاء الحركات الجهادية عن المشهد، وهو ما يروق بالفعل للغرب ولإسرائيل، وتحركت الدبلوماسية السعودية والإماراتية باتجاه دعم ضربة عسكرية أمريكية ضد بشار الأسد، كما تم التواصل مع روسيا لمنحها تطمينات وإغراءات تضمن عدم رفضها الفعال، غير أن الصفقة الروسية الأمريكية لنزع سلاح سوريا الكيماوي كانت مفاجأة غير محسوبة، ثم جاء التقارب الإيراني مع الولايات المتحدة وبريطانيا ليزيد المشهد تعقيدا، وينأى بحسابات محور الاعتدال الجديد عن المسار المأمول.

اليوم تعبر المنطقة مرحلة إعادة صياغة تحالفاتها، ولعل الدولتان الأكثر مصلحة في تقارب سياسي هما تركيا وإيران، فبعد الفتور الذي صاحب العلاقة بينهما طوال العامين الماضيين، فإن كلا منهما يدرك اليوم أنه بحاجة إلى اعادة رسم تحالفاته، فإيران المثقلة بالحصار الاقتصادي، المقبلة على حوار مع الغرب، معنية بحسم ملفي العراق وسوريا بشكل يضمن استمرار نفوذها ولكن يحقق استقرارا يمنع استمرار الصراع الدموي مرتفع الكلفة، أما تركيا، فإنها هي الأخرى معنية بوقف النزيف في سوريا والعراق وما لهما من تأثير على استقرارها الداخلي، وعلى نموها الاقتصادي، بالإضافة إلى أن تركيا تشعر بعد الانقلاب في مصر بأن علاقاتها مع محور الاعتدال قد تدهورت، وأنها بحاجة إلى تحركات دبلوماسية تضمن عودتها إلى الفاعلية الإقليمية.   

من المتوقع ألا تقتصر التحولات في المنطقة على الدول، بل إن الحركات الإسلامية ستحاول هي الاخرى إعادة تقييم علاقاتها، ولعل المثال الأكثر وضوحا سيكون في كيفية إعادة تقييم حماس لعلاقاتها الإقليمية، وفيما إذا كانت المتغيرات الحالية، واستهداف الحركة في غزة والتضييق على حكومتها هناك، سيجعلها تراجع تموقعها الاستراتيجي، وتستعيد علاقات أكثر قربا من إيران. 

غير أن المنطقة ككل عانت من سياسة المحاور المتنافرة لسنوات طويلة، ونتج عن ذلك حروب أهلية وصراعات مذهبية، وكان أكثرها كلفة على المنطقة العراق وسوريا، ومن الواضح الآن أن الصراع في سوريا قد وصل مرحلة باهظة الكلفة على كل من الطرفين، وربما ينجح البحث عن حل للازمة السورية في تقارب إيراني تركي عربي، فإن مصلحة الأطراف الثلاث تقتضي التوصل إلى تفاهم حول مستقبل سوريا، أما العراق  فمقبل على انتخابات تشريعية في الشهور القادمة، ومن المتوقع أن تواصل إيران دعمها للمالكي لمنصب رئاسة الوزراء، غير أن حدة الاستقطاب الطائفي في البلاد تحصد مئات القتلى شهريا، ومن دون توافق بين السنة والشيعة والأكراد فإن العراق ستنجرف باتجاه مزيد من العنف، ولن يكون من صالح دول المنطقة اندلاع حرب طائفية جديدة في المنطقة.

ان استقرار المنطقة لن تحققه محاور متنافرة، بل جهود متساندة تضمن مصالح جميع الأطراف، ومن المفيد للمنطقة أن تصل الى قناعة بأن الاستقرار لن يتحقق إلا بتفاهمات بين دولها جميعا، غير ان ذلك يبدو اليوم بعيدا، وقد تعبر المنطقة مزيدا من الاضطراب والفوضى قبل ان تتعلم هذه الحقيقة.

الجميع يعيد تقييم تحالفاته، لكن من المبكر الحسم بشكل محدد للمحاور الجديدة في المنطقة، فالمتغيرات الاستراتيجية شديدة التدافع، سريعة التعاقب، ولم تستقر الصورة النهائية بعد، وعلى الأرجح أنها لن تستقر لسنوات قادمة، ولكن من المؤكد أن الجميع يبقي خياراته مفتوحة، في انتظار شيء من الثبات. 

السلطات الهندية تعتقل طاقم سفينة أمريكية

السلطات الهندية تعلن عن اعتقالها لطاقم سفينة أمريكية، تابعة لشركة “أدفان فورد”، كانت محملة بأسلحة وذخيرة غير مرخصة، بعد دخولها المياه الإقليمية الهندية.

بعد احتجازها لمدة ستة أيام، أعلنت السلطات الهندية اليوم، عن اعتقالها لطاقم سفينة أمريكية تابعة لشركة “أدفان فورد” كانت محملة بأسلحة وذخيرة غير مرخصة دخلت المياه الإقليمية الهندية، حيث برر الخبير الإستراتيجي والعسكري الهندي بْهارات فِيرما لوسائل الإعلام عملية حجز السفينة واعتقال طاقمها قائلا: “السفينة اعتُرِضت في مياهنا الإقليمية على بُعد اثني عشر ميلا ودون رخصة، لذا فإن اعتقالَ الطاقم واحتجازَ السفينة أمر في غاية الشرعية”.

وحسب التصريحات الرسمية للسلطات الهندية فإن عدد أفراد طاقم السفينة المعتقلين يبلغ 35 شخصا من جنسيات مختلفة، معظمهم  أوكرانيين وهنود وبريطانيين وإيستونيين، وأما السفينة فتملكها شركة “أدفان فورد” الأمريكية والمتخصصة في خدمات حماية السفن التجارية وفي التصدي للقراصنة في العديد من البحار.

وبعد قيام قوات خفر السواحل الهندية باعتراض السفينة “سي مان غارد أوهايو”، في 12 تشرين أول/أكتوبر الجاري، وتحويلها إلى أحد المرافئ المائية في ولاية “تاميل نادو”، عثر على 35 بندقية آلية و5 آلاف و700 طلقة، قال قبطان السفينة أنها تستخدم لحماية السفن التجارية في مواجهة القراصنة، في حين قالت السلطات الهندية أن طاقم السفينة عجز عن إثبات شرعية حمولته بالوثائق الضرورية في مثل هذه الحالات.

ويذكر أن جنديين إيطاليين، كانا يعملان في حماية سفينة شحن إيطالية، كانت تبحر في المحيط الهندي، قتلا صيادين هنديين في شباط/فبراير العام المنصرم، الأمر الذي أثار خلافا شديدا ما بين السلطات الإيطالية والسلطات الهندية، حيث أصرت الهند على محاكمة الجنديين الإيطاليين، فيما دافعت ايطاليا عن جنودها بدعوى ظنهما أن الصيادين كانا من القراصنة، وأن الحادثة وقعت في المياه الدولية.

شرارة أولى لانتفاضة طلاب الأزهر

مع انتهاء العيد، انتهت الهدنة السياسية التي عاشتها شوارع القاهر نسبيا خلاله، وعادت المسيرات على أعتاب ميدان رابعة ومن ساحات جامعة الأزهر وسط دعوات إلى “انتفاضة كبرى”.

أعلنت حركة “طلاب ضد الانقلاب” بجامعة الأزهر، شرق القاهرة، أن اليوم الأحد سيشهد “انتفاضة كبرى” بالجامعة، وذلك لدعم “الشرعية والتنديد بالانقلاب”، حيث قالت الحركة في بيان لها: “ندعو الطلاب الأحرار إلى المشاركة في الانتفاضة الكبرى لجامعة الأزهر والتي لن تبقي أمامها ولن تذر”، مضيفة: “لا رجوع عن أخذ حقوق الشهداء والافراج عن الطلاب المعتقلين – بغير وجه حق – وستبدأ ثورتنا ضد الانقلاب ، وضد حكم العسكر وضد شيخ العسكر وضد إدارة الجامعة الفاشلة”.

واحتشدت طالبات الأزهر صباح اليوم الأحد، أمام كلية “الدراسات الإسلامية بنات”، بحرم الجامعة، باعتبارها أول كلية استشهدت منها طالبة خلال الفعاليات الشعبية التي تلت الانقلاب العسكري، و من المقرر أن تتحول المظاهرة إلى مسيرة تتجه نحو مبنى فرع البنين بالجامعة، والقريب من فرع البنات، بحسب مراسل وكالة الأناضول.

وهتفت الطالبات ضد إدارة الجامعة وضد العسكر وضد شيخ الأزهر أحمد الطيب، رافعين شارات رابعة ولافتات منددة بالانقلاب العسكري وبالاعتقالات التي طالت عددا كبيرا من طلاب الجامعات، كما رددن هتافات تطالب بالقصاص للقتلى من طلاب وطالبات جامعة الأزهر، خلال فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، المؤيدين للرئيس المصري محمد مرسي، في 14 أغسطس/آب الماضي.

وفي الوقت الذي نظم فيه عدد من طلاب جامعة الأزهر مظاهرات عفوية، ظهر أمس السبت، داخل الحرم الجامعي مع انطلاق أول أيام الدراسة، هددت إدارة جامعة الأزهر بتعليق الدراسة في حال حدوث “ما يفسد صفو العملية التعليمية” إلى أجل غير مسمى، حيث طالبت الطلاب في بيان أصدرته أمس السبت بـ”الالتفات لدروس العلم والجدية فى طلبه”، مشيرة إلى أن “الجامعة مكان لتلقى العلم والمعرفة”.

مع العلم بأن الجامعة أجَّلت بدأ الدروس فيها، مقارنة ببقية الجامعات، لمدة أسبوعين، قائلة أن السبب هو أعمال الصيانة بالمدينة الجامعية، فيما قالت مصادر طلابية إن السبب هو دواعي أمنية، كون الكثير من طلابها ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، وللتيار الإسلامي الرافض للانقلاب، بالإضافة إلى قربها من ميدان رابعة العدوية الذي تعمد قوات الجيش والشرطة إلى إغلاقه وإلى منع المتظاهرين من الوصول إليه لما يكتسبه من رمزية لدى القوى الرافضة للانقلاب.